الشيبان وكبارنا

حكمةٌ عاشت العمر، فبقيت مرجعاً للأجيال

الكبير في قومه ليس عدد سنين مرّت عليه، بل خبرة حياة اختبرها فصقلته، ومواقف عاشها فعلّمته، وتجارب لا تُقرأ في كتاب ولا تُختصر في سطر. هو الذاكرة الحية لقبيلته، ولسانها الذي ينطق بالحكمة حين يعزّ الرأي الرشيد. "الشيبان" سِيَر ومواقف من عُرفوا بالحكمة والشجاعة وإصلاح ذات البين والكرم والفروسية وعلم الدين — من القبيلة ومن قحطان عامة، أحياءً كانوا أو ممن انتقل إلى رحمة الله، توثيقاً يليق بهم، ومرجعاً تستضيء به الأجيال القادمة. و"كبارنا" كلمة حيّة متجددة، يُلقيها كبار القبيلة اليوم بصوتهم: قصة، حكمة، نصيحة، أو توجيه، ليبقى صوت التجربة حاضراً بيننا، لا يغيب.

عن هذه الصفحة

في مجالس قحطان عبر الزمن، كان للكلمة وزنٌ لا يُقاس بطولها بل بقائلها. يدخل الكبير المجلس، فيتزحزح له الجميع، وإذا استأذن ليتكلم خرست كل الألسن حتى يفرغ من حديثه، لا لأن الكلام يُمنع، بل لأن كلمته كانت تحمل عادة أكثر من رأي: كانت تحمل قصةً، أو موقفاً عاشه، يُختتم غالباً بعبرة يستفيد منها كل من حضر. وهذا الأدب ليس عادة قبلية فحسب، بل قيمة رسّخها ديننا: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت"، فحين يتكلم من يستحق أن يُسمع، الصمت نفسه إصغاءٌ وعبادة.

وعبيدة -بطن قحطان الكبير الذي تنتسب له الوهابة- عُرفت قروناً بهذا النهج: الكرم الذي لا يُحسب، والضيافة التي لا تُستَثنى منها روحٌ، وتوقير الكبير الذي كان عماد كل مجلس ومناسبة. تراثها الشفهي -من قصص كـ"عرار" إلى قصائد لا تزال تُروى- لم يكن ترفاً، بل كان الوسيلة الوحيدة يومها لحفظ الحكمة والتاريخ والقيم، جيلاً بعد جيل، قبل أن يُعرف الورق أو المسجّل.

اليوم، تغيّرت الوسيلة، لكن الحاجة باقية كما هي، بل ازدادت إلحاحاً: يقول المثل العربي الأصيل "أكبر منك بيوم، أعلم منك بسنة"، تأكيداً أن التجربة تُراكَم مع الزمن، لا تُشترى ولا تُستعجَل. لكن هذا المعنى، الذي عاشته أجيال قبلنا بداهةً، صار اليوم شيئاً يحتاج تذكيراً: توقير الكبير وإنصات الصغير له لم يعودا بديهيين كما كانا، وصار تفريط جيلٍ كامل بهذه القيمة ظاهرة يُشار إليها، لا استثناءً نادراً. نحتاج أن نسمع كبارنا قبل أن يخرس الزمن أصواتهم، ونحتاج أن نوثّق سيَر شيباننا قبل أن تُنسى مواقفهم. "الشيبان وكبارنا" امتدادٌ رقمي لذلك المجلس القديم -نفس الصمت الذي يُصغي، ونفس الاحترام الذي يُسمِع- بأدوات عصرنا فقط. صوتك، يا كبيرنا، ما زال له نفس الثقل الذي كان له يوم يجلس الجميع لأجلك في المجلس. سجّله، فهو إرثٌ لا يُشترى.

تعرف شايباً له موقفٌ يستحق أن يُروى، أو كبيراً بيننا تزخر ذاكرته بالحكمة والتجارب؟

شارك من مجالس الوهابة ↗